الجمعة، نوفمبر 26، 2010

بناء الكنيسة وبناء الوطن


معركة أخرى.. الهوة تتسع، والمرض يتفاقم.. في حين يبدو المشهد جامداً على ناحية هؤلاء الذين يملكون حلولاً.. وكأن الأمر لا يعنيهم برمته.. أو لعلهم مستفيدون منه بشكل أو بآخر.

لا أستطيع أن أجد جديداً في المصادمات التي وقعت بين متظاهرين مسيحيين في مصر وقوات الأمن على خلفية إيقاف بناء كنيسة جديدة بحي العمرانية، إلا أن المصادمات في هذه المرة كانت على ما يبدو أعنف، نتج عنها قتيل وعشرات الجرحى من المتظاهرين، في حين أصيب عدد من الضباط وهو أمر غير معتاد على الإطلاق.. الجديد أيضاً أن المظاهرات انتقلت إلى خارج الكنيسة وهو أمر إيجابي في حد ذاته أن يتظاهر صاحب الشأن أمام الهيئة أو المصلحة التي تسبب المشكلة (محافظة الجيزة) بدلا من التقوقع داخل الكنيسة، لكن ظني أن الانتقال للتظاهر أمام المحافظة لم يجيء بترتيب مسبق، وإنما نتج عن اقتحام الأمن للكنيسة وملاحقة المتظاهرين في الأحياء المجاورة، وفي كل الأحوال تبقى هذه الطفرة أمراً إيجابياً.

وبغض النظر عن التفاصيل الصغيرة للمصادمات في العمرانية، فإنني أفضل الانتقال لتناول بعض الملاحظات العامة فيما يتعلق بالأمر برمته من عدة زوايا.

يعود القانون المعمول به حالياً لبناء الكنائس - والمسمى بـ "الخط الهمايوني" - إلى القرن التاسع عشر، أصدره السلطان عبد المجيد الأول عام 1856 لإنهاء بعض أشكال التمييز التي تمارس ضد المسيحيين في الأقطار العثمانية، ومن أجل ذلك فقد جعل منح ترخيص البناء بيد السلطان فقط. وكان بالفعل قانونا جيداً حين ذلك.. أدخلت على القانون عدة تعديلات في القرن العشرين أهمها عام 1934، ثم أدخل الرئيس مبارك التعديل الشهير عام 1998 الذي نقل للمحافظين سلطة تراخيص ترميم الكنيسة في حين يبقي في يد رئيس الجمهورية حق الموافقة على بناء الكنائس، وفي عام 2005 منح المحافظين أيضاً سلطة ترخيص توسيع الكنائس القائمة. وفيما عدا تلك "الإصلاحات" فإن تعديلات عام 34 – السيئة جداً – بقيت معمول بها.

وبصدد ذلك يوجد عدة نقاط تستأهل التوضيح:

أولا: إن كل مصري يعرف جيداً حجم المعاناة التي يتشجمها المرء في دهاليز مكاتب الهيئات "الأحياء" المسؤولة عن منح تراخيص المباني والكهرباء والماء.. الخ، ومدى الفساد المنتشر في تلك المحليات، حتى يندر أن تجد موظفاً واحداً غير مرتشٍ من أكبر موظف إلى رئيس الحي، فما بالنا باستخراج ترخيص لبناء الكنيسة، بكل ما يحيط بالأمر من لغط غبي، وبكل روح عدم التسامح والأسلمة الظاهرية التي انتشرت بين المصريين في العقود الأخيرة لتشكِل مناخاً عاماً من المزاج المتشدد؟ فما بالنا إذن حينما يتطلب الأمر موافقة المحافظ بنفسه، (وهو ما يعني ضمناً موافقة الجهات الأمنية)؟ حتى أنني أميل لتصديق ما سمعته من أحد الناشطين الأقباط ذات مرة، أن مجرد ترميم حمام في الكنيسة يتطلب موافقة المحافظ!

ثانياً: فيما يتعلق باللغط المستمر حول عدد الكنائس وكفايتها للمسيحيين، فإن الدولة تستخدم هذا الجدل كنوع من فزاعة التخويف لدى جمهور المسلمين، وكأن بناء المزيد من الكنائس لا يحمل وراءه سوى إظهار روح التحدي والتفاخر من المسيحيين.. يُعبر عن تلك المشاعرة المسكونة بالاحتقان وسوء الظن ما قرأته على سبيل المثال من تصريحات للدكتور القرضاوي – الذي يوصف بشيخ الوسطية – يقول فيه إن عدد الكنائس في بعض المناطق أكبر نسبياً من عدد المساجد، وهو تصريح فيه كثير من التجاوز وإبطان سوء الظن، لا يجدر بأمثاله، وإن كان معبراً عن رأي أغلبية المسلمين للأسف.

ولكي أقوم بتحرير ما يتعلق بهذا الأمر، يمكن أن ألجأ لهذه الأرقام الصادرة في عام 2003 ضمن إحصاء أصدره مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار التابع لمجلس الوزاء المصري، ضمن مجموعة كتيبات تسمى "وصف مصر"، يشمل الإحصاء تقسيم المساجد إلى أهلية ومساجد تابعة لوزارة الأوقاف، بينما تقسم الكنائس إلى كنائس في الريف وفي الحضر.. وخلص الإحصاء إلى وجود إجمالي عدد 2950 كنيسة مقابل 64676 مسجداً (لا تشمل الزوايا الصغيرة التي يستخدمها المسلمون للصلاة) أي أن نسبة الكنائس إلى المساجد هي 3% تقريبا في حين أن تقديرات نسبة المسيحيين في مصر تقع بين 6% و 10% (لايوجد إحصاءات رسمية بهذا الصدد).

يمكن أن نستنتج من تلك الأرقام إذن عدم وجود مبالغة في بناء الكنائس – على الأقل - إن لم يكن هناك حاجة بالفعل لبناء المزيد منها. ثم بعد كل تلك الأرقام، أي ضيرٍ يصيب البلاد من بناء ألف أو حتى ألفي كنيسة زيادة عن حاجة المسيحيين؟ إن الحديث عن التحدي والمباهاة هو حديث طفولي يشعرك أنك انتقلت إلى حضانة أطفال يتباهى كل طفل بأمرٍ ما لا طائل تحته. ثم إن شعور المسيحيين بالتحدي – إن كان صحيحاً – إنما يعود إلى إحساسهم بضرورة إظهار تمسكهم بدينهم، في ظل حالة التدين السطحي التي أصابت المصريين جميعاً منذ مطلع السبعينات.

ثالثا: إن كل تلك الأزمات المتعددة التي بدأت منذ منتصف السبعينات تقريباً وحتى الآن، وكان سببها بناء أو ترميم كنيسة هنا أو هناك، تقول بضرورة إصدار قانون جديد موحد لبناء دور العبادة.

إن ذلك القانون الموحد لا يعني المساواة في العدد بمعنى أن يبنى مع كل مسجد كنيسة، فهذا لا يتفق مع المنطق، وإنما يعني أن يخضع بناء المسجد والكنيسة إلى ذات الإجراءات والمرور عبر الأجهزة ذاتها في مؤسسات الدولة دون تمييز إيجابي لصالح المساجد أو تمييز عكسي ضد الكنائس.

على أن إصدار ذلك القانون لن يعني بالضرورة إنهاء مشكلة بناء الكنائس في مصر، ناهيك عن إنهاء مشاكل الأقباط جميعاً.. فإنهاء المشكلة الأولى ليس منوطاً فقط بنص القانون وإنما بتطبيقه، فالإصلاحات التي أدخلها الرئيس مبارك عامي 98 و2005 لم تُسفر على أرض الواقع عن أية حلول حقيقية للمشكلة، بل على العكس بدا أنها تتفاقم طالما بقي تعنت المحافظين وتدخل الأجهزة الأمنية في الأمر. بعبارة أخرى، فإن القانون وحده لا يكفي، وإنما يجب أن تتوافر الإرادة السياسية المخلصة لأجل حل المشكلة نهائياً.

وإذا عدت مؤقتاً إلى بعض تفاصيل الأزمة الأخيرة لكنيسة العمرانية، فإنني أجد نفسي أميل لتكذيب رواية محافظ الجيزة، الذي قال إنه كان بإمكان الكهنة الحصول على تصريح ببناء الكنيسة خلال أسبوعين، وذلك بسبب الخبرات السلبية المتراكمة لدينا بالفعل في التعنت في إنشاء الكنائس، التي تجعلنا أميل لتكذيب كل ما يصدر عن الحكومة مثلما نميل لتكذيبها فوراً فيما يتعلق بنزاهة الانتخابات أو تقليص البطالة .. الخ، فهي الحكومة ذاتها التي تكذب هنا.. وتكذب هناك.. ولا يوجد سبب يدعو لتصديقها هنا وتكذيبها هناك، اللهم إلا هواً في النفس.

رابعاً: إن التعامل الأمني – الذي أقل ما يوصف به أنه قاسٍ – ليس له ما يفسره ناهيك عن أن يبرره، ولعل عدد كبير من المصريين قد تعرض هو أو أحد معارفه أو أقربائه إلى مشكلة السكن في عمارة أو مبنى مخالف للقانون، أو آيل للسقوط، ووقفت الأجهزة المحلية عاجزة عن تفريغ العقار من ساكنيه من أجل هدمه، ولعل الشاهد على ذلك هي عشرات الأخبار المتتابعة من حين لآخر عن كوارث سقوط المباني على من فيها من سكان في شتى أنحاء مصر. فإذا قال قائل: إن بناء الكنيسة مع ما يحمله من دلالات إنما هو أمرٌ يمس الأمن القومي وسيادة الدولة، فإنني أتوجه بالسؤال إلى هذا القائل: ألا يرى أن سقوط مئات الضحايا تحت أنقاض المباني المخالفة هو أمر مهدد للأمن القومي والاجتماعي!!

وعلى الجانب الآخر، فإن التعامل الكنسي مع القضية كان مليئاً بالأخطاء هو الآخر، فالاستمرار في بناء الكنيسة بدون ترخيص هو نوع من التحدي لسلطة الدولة، يزيد المشكلة تعقيداً، (لا يعني هذا بأي حال الموافقة على الطريقة الهمجية الوحشية التي عامل بها رجال الأمن المتظاهرين)، كما أن أسلوب الكنيسة ذاته في الدعوة إلى التظاهرات داخل الكنائس في كل توتر مماثل، إنما يعزز من مشاعر الاحتقان الطائفي لدى المسلمين والمسيحيين معاً..

إن أغلب تلك الملاحظات عبّر عنها دائما الكثير من المثقفين والكتاب ذوي الضمائر الحية، لكنها لم تجد في أي وقت من الأوقات أذناً صاغية، سواء لدى النظام الحاكم أو لدى القيادات الكنسية.

لقد تمنيت عن نفسي أن أجد في المظاهرة بعض المسلمين، وأن تكون الهتافات هي " بالروح بالدم نفديك يا وطن" بدلا من شعار "نفديك يا صليب" .. الأمر الذي يجعلك تشعر للوهلة الأولى وكأننا بصدد معركة دينية وليست سياسية ضد الاستبداد والفساد والدكتاتورية.

ولأن الكنيسة اختارت أن تقود معركتها بطريقة دينية، ولأن الأقباط ازدادت عزلتهم عاماً بعد عام، فلجأوا للكنيسة ظناً منهم أنها الخندق الوحيد للتعبير عن مطالبهم (وهو ظن صحيح إلى حد كبير).. استطاع النظام الحاكم – بطريقته الملتوية – أن يدغدغ مشاعر الأغلبية المسلمة، ليظهر وكأنه حامي حمى الإسلام، في حين لا يكف في جميع المناسبات عن تصديع رؤوسنا بالحديث عن المواطنة وحرية العقيدة.

إننا لا يمكن أن نلوم النظام المستبد وحده، على الرغم من أن القسط الأكبر من المسؤولية يقع على عاتقه، لكن القيادات الكنسية أظهرت في كثير من الأحيان مواقف طائفية أيضاً، ودأب الأقباط على الدفاع عن مطالبهم من وجهة نظر طائفية.

فالكنيسة – التي لم تتورع عن التدخل في السياسة للدفاع عن حقوق الأقباط – لم تحرك ساكناً إزاء حرق بيوت البهائيين في مصر، ولم نسمع رأيها في تزوير الانتخابات أو حض أتباعها على الانخراط في العمل السياسي المدني. وهي أيضا لا تمانع في تأييد الرئيس مبارك ورموز الاستبداد والدخول في صفقات مع النظام الحاكم مقابل الحصول على بعض المكاسب المؤقتة، مثلها في ذلك مثل كل الأحزاب السياسية المتآكلة. ناسية أو متناسية أن ذلك النظام هو ذاته أس بلائها وسبب جميع مشاكلها.

وذات الأمر الذي يجري على الأحزاب، يجري على الجماعات الإسلامية، فالحكومة تسمح لأعتى المتشديين منهم بامتلاك القنوات الفضائية وبث أفكارهم للملايين، طالما بقي بعيداً عن السياسة، مستخدماً ثقافة الطاعة للحاكم، في حين تحارب الإصلاحيين منهم لتبقى جماعات مغلقة متشددة سرية منكفئة على ذاتها، تتعاطى السياسة من أجل مصالحها الذاتية.

فيبدو الأمر كله في النهاية وكأنه حلقة مفرغة جهنمية لا سبيل إلى كسرها، من الاستبداد الذي يغذي التطرف، والتطرف الذي يتغذى على الاستبداد.. وهكذا دواليك.

والضحية كانت ولازالت هي الدولة المدنية، وثقافة الدولة المدنية وحقوق الإنسان التي تتآكل يوماً بعد يوم.. ولا تجد من يدافع عنها بإخلاص وحماسة ودأب على طول الخط، حتى وإن وجدت بعض الأنصار المؤقتين، فإنهم سرعان ما ينسحبون إلى مواقعهم الطائفية مرة أخرى فور أن يتعلق الأمور بحقوق الآخرين. حتى أصبحت الثقافة الطائفية هي السائدة في المجتمع، واندثرت ثقافة التسامح أو كادت، ونسي المصريون عدوهم الحقيقي والأوحد.

إن التعويل الحقيقي هو على العقلاء في الجانبين، خاصة في جانب الأكثرية، المسلمين الذين عليهم بذل مزيد من الجهد في كسر عزلة المسيحيين وإعادتهم إلى حظيرة العمل العام.

أما ما يبعث على الأمل حقيقة، فهو هذا الجيل من الشباب الذي كسر حاجز الصمت والتابوهات الدينية والاجتماعية، من أجل ما يؤمن به من عدل وقيم الحق، وقد سمعتُ – على سبيل المثال – أطرافاً من حديث عن أن بعض المسلمين حاولوا حماية المسيحيين المتظاهرين من بطش الأمن، لكن قسوة التعامل الأمني حالت دون ذلك، كما سمعت في تسجيل فيديو بعض المسيحيين يحاولون تهدئة مشاعر المسلمين بالهتاف: عاش الهلال مع الصليب. في حين يحاول بعض نشطاء الشباب تنظيم زيارة لجرحى المظاهرات وربما إلى الكنيسة، مع ما يحمله ذلك من صعوبات شتى.

إنني أعتقد أن بناء هذا الوطن إنما يمر عبر بناء الكنيسة، ليس من وجهة نظر طائفية قاصرة فئوية، وإنما من وجهة نظر مدنية حقوقية، تؤمن فعلاً – لا نظرياً – بحرية العقيدة، وحرية الإنسان، تؤمن بحرمة التحالف مع النظام الحاكم، تؤمن بالدفاع عن حق الآخر قبل حق الذات، وتؤمن بأن الحريات كلٌ لا يتجزأ، وأنه لا دين في السياسة ولا سياسة في الدين.. كما تؤمن بأن الله إنما يحب هؤلاء الذين يقاتلون صفاً واحداً ضد الاستبداد والفساد، لأن الحرية هي الأصل في الأشياء، وهي مناط العقيدة، فلا عقيدة للمستعبدين سوى طاعة حاكمهم.

اللهم اجعل هذا الوطن آمناً.. وجنبه الفتن.

------------------------------

** نشر هذا المقال أولاً في موقع الجزيرة توك

الخميس، نوفمبر 25، 2010

رحلتي إلى أعلى قمة في مصر.. حكايات الطبيعة والبدو

الجزء الأول: جمال الطبيعة

تستطيع أن تقرأ الكثير وتسمع عن جمال بعض المناطق السياحية في بلادك، أما أن تقوم بزيارتها بنفسك فهو أمر آخر.. سانت كاترين هي إحدى تلك المناطق التي تجتذب نوعية معينة من السياح، الباحثين عن المغامرة والمتعة والاستجمام وسط الجبال والصحراء..

في رحلة استغرقت نحو 6 ساعات بالأتوبيس استقبلنا أحد البدو عند محطة الوصول، وأخذنا بسيارة ربع نقل عبر منطقة "الشيخ عواد" في طريق وعِر إلى "وادي غربة"، حيث تقع قرية سياحية بيئية "الكرم" ، وبحسب الشيخ "جميل" مدير القرية فقد كان ذلك المكان في عمق صحراء سيناء قرية بدوية بالفعل، تتبع قبيلة الجمالية، ثم قرروا تحويلها إلى قرية سياحية، أول ما تلاحظ هناك هو جمال ضوء القمر وكأنه شمعةٌ ما سحرية تضيء المكان وتلقي ببعض الظلال.. القرية بيئية تماماً بمعنى أنه لا يوجد كهرباء ولا مبانٍ حديثة، وإنما مجموعة من الغرفات المبنية من مكونات الطبيعة ذاتها.. صخور ودبش وطمي وجذوع النخل..

الجو معتدل وليس بارداً جداً وكأن الجبال احتضنتها لتجعلها في مأمن من تيارات الرياح، هناك العديد من آبار المياه، لكن ربما الشيء الوحيد من خارج القرية هو زجاجات المياه المعدنية بسبب شح المياه الجوفية في بعض المواسم.

أعدوا لنا طعاماً ثم بدأنا رحلتنا نحو جبل سانت كاترين، أعلى قمة في مصر حيث يبلغ ارتفاعه نحو 1600 متر فوق سطح البحر.

يقع جبل سانت كاترين بالقرب من "مدينة" سانت كاترين والدير الشهير، أقدم الدور الكنسية في العالم، يمكنك زيارته في النهار، ولكي تصل للجبل يجب أن تمشي على قدميك حوالي نصف ساعة في منطقة تسمى وادي الأربعين، بعد أن تقطع تذكرة المحمية الطبيعية بخمسة جنيهات.

ما تحتاجه للرحلة هو حقيبة صغيرة على ظهرك تحمل فيها بعض الماء والطعام المعلب، وكشافاً يدوياً والكاميرا الخاصة بك.. كما تستطيع استئجار جمل لكي يحمل حقائبكم الثقيلة التي تحتوي على بطاطين أو سليبينج باج، وقبل كل ذلك الصُحبة الدافئة بالطبع.

بدأنا الرحلة في الواحدة مساءًا، لكي نتمكن من رؤية الشروق أعلى القمة، كان يرافقنا الشيخ سليمان، وهو بدوي يعمل دليلاً سياحياً في تلك المناطق، أخذ يشرح لنا كيف أن هذا الطريق الوعر عبر الجبل صنعه منذ سنين عديدة جداً بعض القساوسة، لكي يتعبدوا في أعلى الجبل، ثم أصبح بعد ذلك مزاراً للسياح. لم أندهش كثيراً للمعلومة، فمن يتحمل كل هذه المشقة لصعود الجبل سوى راغبي الحياة الآخرة!

الصعود ليس عن طريق التسلق كما قد يتبادر للذهن لأول وهلة، وإنما عن طريق المشي في طريق ثعباني طويل.

المدهش حقاً كلما صعدت أكثر هو ذلك العدد الرهيب من النجوم الذي يرصع السماء، لم أتخيل في حياتي أبداً أن أرى كل هذه النجوم في بقعة واحدة من السماء، بشكل مبهر جداً.. كما لابد أن تصادف مع هذا العدد اللانهائي بعض الشهب المتساقطة في مشهد بديع.

لم يكن الجبل مخيفاً أو موحشاً كما ظننت ولكن الرحلة مرهقة عضلياً، واستغرق الصعود نحو خمس ساعات، لاحظت كيف أن صديقتينا الأجنبيتين ماري وفلانتينا لم يصبهما الإرهاق كما أصابنا بسبب حفاظهم على ممارسة الرياضة بشكل منتظم. في منتصف الطريق تقريباً أصبح الجو بارداً أما على القمة فكان شديد البرودة. حينما وصلنا للقمة أخيراً شعرت بزهو الغزاة! أخيراً أنا هنا! في أعلى الجبل يوجد كوخ متعدد الغرف بناه القساوسة ، ارتمينا جميعاً بداخله كيفما اتفق من شدة البرد والتعب ونمنا قليلاً.. والتقطنا بعض الصور ثم بدأنا رحلة الهبوط.

في ضوء الشمس الدافئة، تستطيع أن ترى أثناء الهبوط ما حجبه عنك ظلام الليل، الوديان السحيقة، وبعض الأشجار والمناطق المُسيجة التابعة للمحمية.. استوقنا الشيخ سليمان عند صخرة ما وأخذ يكسر فيها قليلاً مستخرجاً قطعاً صغيرة من الحجر لكي نشاهد نباتاً يسمى "العُليق" ينمو بداخل الحجر وكأنه مرسوم عليه .. كان مشهده بديعاً وأعطى لكل واحد منا قطعة منها تذكاراً..

يستغرق الهبوط نحو نصف وقت الصعود، في أسفل الجبل يوجد قرية بدوية صغيرة ارتحنا فيها قليلا مع بعض النساء والأطفال الذين يذهبون جميعاً للمدارس لكن لم يبدُ عليهم اهتمام كبير بالتعليم. تستطيع أن ترى بوضوح أن كل النساء يخفين جزء من وجوههن بالطرحة ذاتها التي تغطي الرأس، كما يرتدين عباءات زاهية الألوان. ويعيش النساء هنا بجوار الرجال لكن عملهن هو البيوت.

باستثناء الجِمال، لن تقابل في رحلتك الكثير من الحيوانات، وإن رأينا حيواناً يدعى "الوبر" يشبه الأرنب لكنه ينتمي للخنزير كما أخبرنا أحدهم.

عدنا إلى "الكرم" حيث تناولنا الغداء، واستمتعنا بحديث الشيخ جميل مدير القرية، إنه رجل يحمل الثانوية العامة فقط، كأغلب أقارنه هنا، لكنه واسع الثقافة، طلق اللسان بحيث لا تمل من حديثه. فأخذنا نمطره بالأسئلة في كافة المواضيع، لكن ذلك سيكون حديثنا في المرة القادمة!

والآن يمكن أن تأخذ أقرب أتوبيس للتجربة بنفسك إن كنت من محبي المغامرة.


** اضغط على الصور للتكبير